المجتمع الاصطناعي .. تلك هي الترجمة الحرفية لعنوان المقال ، لكنه ليس فقط عنوان انما هو واقع نعيشه و لا ندرك حقيقته المطلقة بعد ، لكنه يؤثر فينا دونما ان نشعر او اننا نرى و نشعر و لكننا لم نعد نتحقق جيدا مما نراه و لا نستوقف انفسنا عند احساسنا بعدم منطقية ما نراه او اننا اعتدنا على عدم المنطقية فتبلد احساس نقد العقل الباطن فبتنا لا ننكر عدم المنطقية و احيانا تصبح هي المنطقية ذاتها بالنسبة لنا و يصير ما هو منطقي في الاساس هو غير منطقي لنا ، في البداية اود طمأنتك ان كان قد اصابك شيئا من الريبة او القلق من السطور السابقة ، فليس كل شيء مصطنع و غير منطقي ، تستطيع العثور على ما هو منطقي و لكنه شبه حقيقي ، ستجده فيما هو مصطنع ..!
…
اعلم انك قد تشتت بما يكفي خلال السطور السابقة ، لكن لا تحاول ان تفسره الان انتظر حتى النتهاء من القراءة ثم اعد قراءة تلك السطور ، هل شعرت من قبل بعدم ارتياح لاحدهم اثناء حديثه معك لاول مرة او ثاني او ثالت و لم تجد اي سبب لعدم ارتياحك سوى انه شعور داخلى ، هل شعرت بذلك ايضا عند دخولك احد الاماكن ، مكتب مدير ، عيادة ، قاعة استقبال في شركة ، مقهى راقي ، مكان عام او ما تزوره من اماكن خاصة ، اذن فلنعكس الامر الان ، هل شعرت بارتياح لشخص او مكان او منظر ما لا لشيء محدد سوى انك شعرت بذلك و كفى .. ان ارتياحنا لشخص ما او عدمه هو ناتج من الاشارات الخفيه التي يرسلها لنا الشخص دون ان نشعر فمثلا ان كان عاقد ذراعيه امام صدره يرتدي ثيابا و قد اختلطت الوانها في عدم تناسق و لا ينظر لعينيك كثيرا و حين ينظر فيها لا يطيل و لكنه يتكلم معك بطريقة طبيعية جدا ولا شيء في حديثه يبعث الضيق فيك ابدا و لكنك تشعر بالضيق بالفعل من ذلك الشخص ، ذلك سببه ان اشاراته الخفيه كانت سلبية بالنسبة اليك ، فكونه عاقدا ذراعيه فقد ارسل لك اشارة سلبية دون ان يشعر بانه يرفض اي شيء قادم من تجاهك نحوه و قد وضع ذراعيه كحائل و انغلق به على نفسه و بالتبعيه فلن تستطيع استقبال الكثير منه لكونه منغلق خلف ذراعيه و دون ان تشعر استقبل عقلك الباطن تلك الرسالة و ترجمها لشعور ، عدم تناسق الوان ثيابه جعلك تتشتت ولا تعرف كيف تصنفهم جميعا في شعور واحد فلكل درجة لون انطباع شعوري داخل الانسان يتفاوت بتفاوت درجات الالوان و عند جمع المتناسق منها يعطيك شعور مزيج ما بين تلك الدرجات تستقبله بسلاسة ، لكن عند جمع درجات لونية غير متناسقه فان الانطباع بداخلك يضطرب تماما في تحديد الشعور الطبيعي و يعطيك شعور نهائي بعدم الراحة ، عدم نظره المباشر لعينيك اغلب الوقت يفقدك الاتصال البصري به مما يكسر الكثير من الروابط النفسية لاستقبال مشاعر معينة ، كل تلك التفاصيل الصغيرة و غيرها تعطيك شعورا نهائيا اما بالراحة او عدمها فيكون احساسك النهائي ، كذلك الامر في الاماكن فكل تفصيلة في المكان ترسل لك اشارة خفية تترجمها بداخلك ، فكل مكان له روحه الخاصة بتفاصيلة الدقيقة ، تذكر احساسك يوم ان زرت احدى الاماكن الاثرية التي لم يطولها يد العبث البشري للانسان المعاصر ، انا متاكد تماما ان اجابتك ستكون ان احساسك كان الراحة الغير مفهومة بالنسبة لك ( ذلك ان لم يعكر عليك اي حدث عارض في تلك الاثناء ) راحة عجيبة تتسلل اليك تستشعرها طالما انت موجود في اي من تلك الاماكن ذات الرسائل الخفية الصريحة ، فكل تفاصيل المكان متناسقة تماما مع جاراتها و مترابطة معا لتكوين الشكل النهائي للمكان ، ان تكون متناسقة و متكاملة و مترابطة و ناتجة لرسالة واحدة محددة تعطيك شعورا خاصا يحمل روح المكان الخاص ايا كان كل حسب نوعه و رسالته يعطيك الشعور الخاص به عما سواه ، قد تكون رسالة المكان مختلفه الان عن رسالته التي صمم من اجلها لاختلاف الزمان و الثقافة لذلك تحتاج الى من يوضح لك اي رسالة كان يحملها هذا المكان في زمانه ، لكنها تبقي رسالة واحدة تصلك لتعطيك شعورا خاصا يتم تسجيله بداخلك مرتبطا بذلك المكان ، و ليس رسائل مختلفة تتشابك و تتنازع لتعطيك نتيجة سلبية في النهاية ، تذكر احساسك عند زيارة معبد فرعوني ، قلعة ، مسجد اثري ، مسرح روماني ، قصر ملكي ، كنيسه قديمة ، و غيرها من الاماكن .. ستجد ان لكل منها ارتباطا ذهنيا بداخلك ، عند قرائتك لاسم كل مكان يستحضر ذهنك صورة معينة و احساسك بشعور معين لكل مكان على حدة ، و هذا احد اسباب ان تجد كل متحف من المتاحف تربط معروضاته رابطا واحدا مميزا ليحمل لك رسائل مترابطة مكملة لبعضها البعض ، و يتكامل ذلك اذا كان المتحف نفسه مصمم تصميما خاصا يحمل روح هذا الرابط و يؤكده لك لتتهييء للرسائل المراد توصيلها ..
تخيل لو اخذت تفصيلة او اكثر من كل مكان من تلك الاماكن و جمعتها معا في مكان واحد ، فاي الرسائل ستستقبل و اي شعور سيتملكك ؟ دعنا نجرب معا .. سيكون المكان مسجد مثلا و قد اكتست واجهته بتفاصيل معبد فرعونى من اعمدة ضخمة و اشكال زهرة اللوتس العملاقة لكنك ستجد الجدران حفرت بايات قرآنية و ادعية و كانت النقوش المنتشرة في الارجاء من الذهب الخالص المطعم بعض الاحيان باحجار كريمة او ما شابهها كما هو في القصور الملكية .. تستطيع اضافة عناصر اخري ان شئت من اي مكان اخر ، لكن اخبرني بعد ذلك بشعورك اثناء تخيلك هذا المكان ، لن تستطيع ف البداية ان تقتنع باي التفاصيل تصدق و لا تستطيع فك شفرة هذا المكان الجديد بالنسبة لما قد تم تسجيله بداخلك من ارتباطات شعورية للتفاصيل المختلفة ، ستضطرب و تتشوش و تكون النتيجة النهائية هي عدم الراحة الغير مفهومة الاسباب … و قد كثرت من حولنا الاماكن المجتمع فيها تفاصيل متباينة و متضادة و متنافرة و ان كان باوصاف مختلفة …
كل ما حولك يحمل لك رسالة خاصة ، كل تفصيلة دقيقة حتى و ان كنت لا تهتم بها او لم تلاحظها حتى و سقطت عليها عيناك او مرت عليها مرورا سريعا خاطفا ، يرى عقلك الباطن كل ذلك و يسجله و يفنده و يحاول فك شفرته حسب المعلومات المتوفرة لديه و المشاعر المرتبطة بها ليعطيك نتيجة تبني عليها رد فعلك اللاشعوري ، و ان كنت حتى لا تشعر بكل ما يحدث من ذلك الا انك تشعر دوما بالنتيجة و هو الاحساس الداخلى الخاص الذي لن تستطيع دائما رصد اسبابه العقلانية الواضحة ، ربما تسترجع الآن بعضا مما مر بك مشابها لذلك و تحاول استرجاع شعورك حينها ، ربما بات ما تم ذكره شارحا لما انتابك من شعور ما لم تستطع حينها فهمه او استيعابه ..
حينما يصبح اغلب ما حولك متشابك و غير متناسق و تختلط فيه التفاصيل الشاذه و الغريبة معا صارخه فيك بكل الرسائل المتباينة و عقلك الباطن يبقي حائرا يحاول الربط بين التفاصيل المختلفة لنسج الصورة النهائية عاملا باقصى طاقته الى حد الجنون ليترجم كل ذلك معا ، بالطبع سيترجم كل ذلك بان المكان الذي تتواجد فيه غير منطقي بالنسبة لمدخلاته المسجلة من قبل و ان وجودك في هذا المكان غير حقيقي بالمرة و ربما يكون كل ما حولك مصطنع ، بالطبع سيؤثر كل ذلك عليك بالسلب طوال الوقت ، احيانا تشعر بالضيق و احيانا تشعر بعدم الراحة و احيانا تشعر بعصبية مفاجئة و تتباين مشاعرك السلبية من حين لاخر باختلاف الاماكن
لكن اذا كان اغلب ما حولنا و ما نعيش بداخله و نعمل و نتحرك بالنسبة لعقلنا الباطن مصطنع فاين ما هو حقيقي ، استطيع ان اقول لك انك قد تجد ما يفسره عقلك الباطن بانه حقيقي هو ما تم محاكاته ليكون حاملا نفس الرسائل المتناسقة التي يحملها عقلك الباطن ، و لكن ليس كل ما تم صناعته للمحاكاة يعطي الانطباع المريح ، ما يعطي ذلك هو ما تم محاكاته بعناية فائقة بعد دراسة عميقة للرسائل المراد توصيلها ، ان تشاهد فيلما اجنبيا ما يحكي عن قصة تدور احداثها اثناء الحرب العالمية الثانية مثلا و تمتليء المشاهد بكل التفاصيل التي تحمل لك رسائل تؤكد لك عنصر الزمان بانك تشاهد بالفعل كيف كانت الحياة في ذلك الوقت و تؤكد لك عنصر المكان لتعيش بداخل المشاهد كانك تعرفها من قبل و كل ذلك حتى تصدق القصة التي تنقل اليك اثناء تصديقك لعنصر الزمان و المكان اللذان حملا نفس الرسائل المتكاملة …
ربما تتسائل الان ، و ما الغرض من كل ذلك سواء ان عرفته ام لم اعرفه ، و ما الذي سيؤثر علينا بناء على كل ذلك من امور يصعب على البعض استيعابها ..
يؤثر كل ذلك علينا في نواحي جمة ، منها ما ذكرناه من تاثيره على الشعور ، و منها ما سنذكره من انحدار منحنى ترجمة العقل الباطن الانساني الى منحى اخر تماما عما كان متجها اليه ، حينما تشاهد احدى الصور مثلا و يطلب منك ان تفسر ان كان ما في داخل الصورة منطقيا ام لا ، كان تكون الصورة لرجل تبدو عليه السعادة الجمة و الفرح العارم و قد اضطرمت النار من حوله ، او تكون الصورة لاطفال و قد تلطخت ملابسهم و ايديهم بالدماء و يقفون وسط برك من الدم حولهم و هم مبتسمون و في غاية المرح .. بالطبع ستبدو تلك الصورة غير منطقية بالمرة ، فلا يوجد احد يسعد بان تلتهم النيران ما حوله بل و يقف وسطها سعيدا ، ولا يوجد ما يربط بين الاطفال و الدم الا صور الموت و الالم فستبدو البسمة عليهم ايضا غريبة و غير مبررة ، لكنها من الممكن جدا ان تكون منطقية في بعض الاحيان ، ان يكون هذا الرجل مثلا امين مخزن قبل يوم الجرد السنوى للمخزن و قد اصبح سعيدا باضطرام النيران في المخزن لان ذلك سيخفى اثار السرقة التي كانت ستكتشف في اليوم التالي ، ان يكون هؤلاء الاطفال صباح اول ايام عيد الاضحى بعدما شاهدوا الخراف تذبح في الشوارع و في كل مكان و بللوا ايديهم بدمائها حذوة بما يفعله بعض الكبار فلطخوا بها ثيابهم اثناء اللعب و قد تجمعت برك الدماء الناتجة عن الذبح من حولهم ..
بناء على ذلك تجد ان الاشياء الغير منطقية تماما اصبحت منطقية جدا في ايامنا ، فيما بعد ستجد ان ما هو غير منطقي هو المنطقي و العكس ، لان ما تم تسجيله في العقل الباطن في البداية كانت اشياء غير منطقية ارتبطت معا بشعور ما فتم تسجيله على هذا المنوال ، ليترجم الاشياء المترابطة بعد ذلك على انها اشياء جديدة لم يعرف شعورا محددا لها من قبل ، ستجد امثلة ذلك واضحة جدا مع تغير الذوق العام لكل جيل جديد و صراعه مع جيله السابق و ما يليه على ان ما يعرفه هو المنطقي و هو الجيد و هو الرائع و ما سواه غريب و غير منطقي بالمرة ..
ان كنت قد استوعبت ما حوته السطور السابقة فقد وضعت يدك على مفتاحا هاما جدا و سرا عظيما ان استعطت استغلاله تفتحت لك آفاقا واسعة و قوة ستعرف معناها حين تمتلكها و تجنى ثمارها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق