لم يكن باله رائقا في هذا اليوم ، حيث نزل من بيته متعكر المزاج ، لم يكن هناك سبب واضح و لكن قد تكون اسباب عدة قد اجتمعت لتعكر صفو مزاجه ، هو نفسه لا يتذكر اخر مرة كان فيها باله رائقا ، وقف ينتظر وسيلة مواصلات كي يذهب الى عمله ، لم يكن راضيا عن عمله على اى حال ، لكنه لا يريد ان يتاخر كي لا يلقي توبيخا من مديره الغاضب دائما ، لو كان بيده لما اختار ذلك العمل مطلقا ، ولكنه كان مجبرا منذ البداية ، من قبل حتى مرحلة البحث عن عمل ، لكنها الاقدار تذهب به حيث تشاء و ليس له قرار الا فيما ندر ، انتظاره طال ككل يوم ، وقوفه يزيده ضيقا فوق ضيقه ، تدور عقارب الساعة في يده كما تدور الافكار في راسه ، يتذكر اشياء يريد نسيانها ، يتذكر انه يريد ان يشترى سيارة حتى يرتاح من وقوفه كل يوم هكذا ، يتذكر انه يريد ان يتزوج و لا يستطيع لانه لا يملك الكثير و حاله لا يبشر باكثر من ذلك ، يتذكر انه يكبر يوما بعد يوم و يتقدم به العمر سريعا و لكن عمره فقط الذي يتقدم و كل شيء على حاله ان لم يكن يرجع به للوراء ، يتذكر احلامه الكبيرة التى لا يجد لها اي طريق يسلكه كي يصل اليها ، يتذكر ان له احتياجات ككل البشر و لا يستطيع تلبيه الا جزء ضئيل منها ، يتذكر ان له حقوق لم ياخذ الكثير منها وعليه واجبات يطالبه الكثير بها ، اخذ يتذكر الكثير حتى جاءت الحافلة لتريحه من ذكرياته التى تعكر باله و يضيق بها صدره ، اضطر للوقوف لانه لا يوجد مكان يجلس فيه او ان عليه انتظار حافلة اخرى لنفس المدة التى قضاها و قد لا تاتي اخري ، او ان عليه اتخاذ وسيلة اخرى ستقتطع جزء كبير من مرتبه ان اعتمد عليها في ذهابه لعمله ، و ظن انه نجا من ذكرياته ، و لكنه وجد ان الافكار مازالت تلاحقه ، فقد اخذ يفكر ماذا سيفعل اليوم في عمله ، و اى متاعب ستكون في طريقه اليوم ، ماذا سيقول لتلاميذه ان ساله احدهم عن شيء و لم يجده له اجابة تريح بها سؤاله ، فهو مدرس ليس لديه من المعرفة سوي ما وجده في الكتب المقرره ولا شيء اكثر من ذلك ، لم يعلمه احد اكثر من ذلك و لم يدفعه احد لتعلم المزيد و لم يسعي هو لتعلم اكثر من ذلك ، يفكر في مستقبله الذي يراه مظلما ، ماذا سيفعل فيه او ماذا فعل من اجله و ماذا اعد لغده ؟ لاشيء ، لم يعد بيده غير ان يعيش يومه ولا يرهق نفسه بالتفكير في غير ذلك ، ها هو قد وصل الى مدرسته و الافكار تتصارع في ذهنه ، تتصارع و تتزاحم كالابخرة الصاعدة من ماء يغلي في وعاء محكم الغلق و لا تجد منفذا تخرج منه ، تتزاحم فيه الابخرة بكثافة عاليه .. تدفع الغطاء دفعا ولكن لا سبيل لخروجها ، كل ذلك يزيده غضبا و حنقا ، يصل متاخرا ككل يوم لاسباب ليس له فيها يد ، يوبخه مديره بشدة فقد جائته اخبار ان هناك لجنة قد جاءت للتفتيش ، يزيد غضبه و حنقه و الابخرة تتزاحم اكثر و اكثر ، تبحث عن مخرج و لا تجد ، يمضي ساعات عمله في رتابه و فتور ككل يوم له فيه ، يعد الساعات و الدقائق كي ينتهي يومه ، يكلفه مديره بحضور حصة عن زميله الغائب ، يقبل في ضجر و ماذا بيده ان يفعل ، يدخل الفصل ليجد التلاميذ قد علا صوتهم بالحديث مع بعضهم البعض ، يقرر معاقبتهم جميعا لما فعلوه ، فراسه قد امتلات عن اخرها بالابخرة و لم يعد هناك مجال لان يسمع ضوضائهم المزعجة او حديث احدهم ، و تلك هي الطريقة المثلى لاسكاتهم حتى تنتهي مدة الحصة المقررة عليه ، يامرهم بالوقوف جميعا ، و يخرج من الفصل ليحضر عصا غليظة من حجرة المدرسين التى تحفل بمجموعة هائلة من العصي المختلفة الاشكال و الاحجام ، يختار اغلظهم لتكون لها رهبة في النفوس و الم يشغلهم باقي الوقت ، يبدا في ضربهم من اول الصف حتى اخره واحدا تلو الاخر ، حتى يرفض احدهم ان يضرب لانه لم يقترف خطا ، تتزايد الابخرة في راسه ، و التلميذ يرفض ان يعامل بتلك الطريقة ، تتزاحم الابخرة اكثر ، و التلميذ ينظر له ببراءة يراها هو نظرة تحدي ، الابخرة تبحث عن منفذ للخروج ، والتلميذ مازال مصرا على موقفه ، تجد الابخرة منفذها ، يلقي بالعصا ارضا و يقرر معاقبته على طريقته ، يعلو صراخ التلميذ حتى يجذب المدرسين الموجودين بالطابق كله ، يجدوا التلميذ بين يدي المدرس الذي ينهال عليه ضربا و ركلا ، يخلصوه من بين يديه و يتساءلون ، ياتى ولى امر التلميذ في اليوم لتالي ليشكو المدير الذي لم يحرك ساكنا ، يقلق المدرس حين يقرا احد عناوين الصحف " مقتل تلميذ على يد مدرسه لانه لم يحل الواجب " ، يفكر .. كان من الممكن ان يكون هو المدرس ان لم يخلص احدهم التلميذ من يديه ، يقرر ولى امر التلميذ نقله من المدرسه بل من المحافظة او البلد كلها ان استطاع و يزداد قلقه اكثر و اكثر حينما يقرا رد وزير التعليم لاسرة التلميذ القتيل " انا و الوزارة اسفين .. و حنعوضكم "11/11/2008
اسفين .. و حنعوضكم
لم يكن باله رائقا في هذا اليوم ، حيث نزل من بيته متعكر المزاج ، لم يكن هناك سبب واضح و لكن قد تكون اسباب عدة قد اجتمعت لتعكر صفو مزاجه ، هو نفسه لا يتذكر اخر مرة كان فيها باله رائقا ، وقف ينتظر وسيلة مواصلات كي يذهب الى عمله ، لم يكن راضيا عن عمله على اى حال ، لكنه لا يريد ان يتاخر كي لا يلقي توبيخا من مديره الغاضب دائما ، لو كان بيده لما اختار ذلك العمل مطلقا ، ولكنه كان مجبرا منذ البداية ، من قبل حتى مرحلة البحث عن عمل ، لكنها الاقدار تذهب به حيث تشاء و ليس له قرار الا فيما ندر ، انتظاره طال ككل يوم ، وقوفه يزيده ضيقا فوق ضيقه ، تدور عقارب الساعة في يده كما تدور الافكار في راسه ، يتذكر اشياء يريد نسيانها ، يتذكر انه يريد ان يشترى سيارة حتى يرتاح من وقوفه كل يوم هكذا ، يتذكر انه يريد ان يتزوج و لا يستطيع لانه لا يملك الكثير و حاله لا يبشر باكثر من ذلك ، يتذكر انه يكبر يوما بعد يوم و يتقدم به العمر سريعا و لكن عمره فقط الذي يتقدم و كل شيء على حاله ان لم يكن يرجع به للوراء ، يتذكر احلامه الكبيرة التى لا يجد لها اي طريق يسلكه كي يصل اليها ، يتذكر ان له احتياجات ككل البشر و لا يستطيع تلبيه الا جزء ضئيل منها ، يتذكر ان له حقوق لم ياخذ الكثير منها وعليه واجبات يطالبه الكثير بها ، اخذ يتذكر الكثير حتى جاءت الحافلة لتريحه من ذكرياته التى تعكر باله و يضيق بها صدره ، اضطر للوقوف لانه لا يوجد مكان يجلس فيه او ان عليه انتظار حافلة اخرى لنفس المدة التى قضاها و قد لا تاتي اخري ، او ان عليه اتخاذ وسيلة اخرى ستقتطع جزء كبير من مرتبه ان اعتمد عليها في ذهابه لعمله ، و ظن انه نجا من ذكرياته ، و لكنه وجد ان الافكار مازالت تلاحقه ، فقد اخذ يفكر ماذا سيفعل اليوم في عمله ، و اى متاعب ستكون في طريقه اليوم ، ماذا سيقول لتلاميذه ان ساله احدهم عن شيء و لم يجده له اجابة تريح بها سؤاله ، فهو مدرس ليس لديه من المعرفة سوي ما وجده في الكتب المقرره ولا شيء اكثر من ذلك ، لم يعلمه احد اكثر من ذلك و لم يدفعه احد لتعلم المزيد و لم يسعي هو لتعلم اكثر من ذلك ، يفكر في مستقبله الذي يراه مظلما ، ماذا سيفعل فيه او ماذا فعل من اجله و ماذا اعد لغده ؟ لاشيء ، لم يعد بيده غير ان يعيش يومه ولا يرهق نفسه بالتفكير في غير ذلك ، ها هو قد وصل الى مدرسته و الافكار تتصارع في ذهنه ، تتصارع و تتزاحم كالابخرة الصاعدة من ماء يغلي في وعاء محكم الغلق و لا تجد منفذا تخرج منه ، تتزاحم فيه الابخرة بكثافة عاليه .. تدفع الغطاء دفعا ولكن لا سبيل لخروجها ، كل ذلك يزيده غضبا و حنقا ، يصل متاخرا ككل يوم لاسباب ليس له فيها يد ، يوبخه مديره بشدة فقد جائته اخبار ان هناك لجنة قد جاءت للتفتيش ، يزيد غضبه و حنقه و الابخرة تتزاحم اكثر و اكثر ، تبحث عن مخرج و لا تجد ، يمضي ساعات عمله في رتابه و فتور ككل يوم له فيه ، يعد الساعات و الدقائق كي ينتهي يومه ، يكلفه مديره بحضور حصة عن زميله الغائب ، يقبل في ضجر و ماذا بيده ان يفعل ، يدخل الفصل ليجد التلاميذ قد علا صوتهم بالحديث مع بعضهم البعض ، يقرر معاقبتهم جميعا لما فعلوه ، فراسه قد امتلات عن اخرها بالابخرة و لم يعد هناك مجال لان يسمع ضوضائهم المزعجة او حديث احدهم ، و تلك هي الطريقة المثلى لاسكاتهم حتى تنتهي مدة الحصة المقررة عليه ، يامرهم بالوقوف جميعا ، و يخرج من الفصل ليحضر عصا غليظة من حجرة المدرسين التى تحفل بمجموعة هائلة من العصي المختلفة الاشكال و الاحجام ، يختار اغلظهم لتكون لها رهبة في النفوس و الم يشغلهم باقي الوقت ، يبدا في ضربهم من اول الصف حتى اخره واحدا تلو الاخر ، حتى يرفض احدهم ان يضرب لانه لم يقترف خطا ، تتزايد الابخرة في راسه ، و التلميذ يرفض ان يعامل بتلك الطريقة ، تتزاحم الابخرة اكثر ، و التلميذ ينظر له ببراءة يراها هو نظرة تحدي ، الابخرة تبحث عن منفذ للخروج ، والتلميذ مازال مصرا على موقفه ، تجد الابخرة منفذها ، يلقي بالعصا ارضا و يقرر معاقبته على طريقته ، يعلو صراخ التلميذ حتى يجذب المدرسين الموجودين بالطابق كله ، يجدوا التلميذ بين يدي المدرس الذي ينهال عليه ضربا و ركلا ، يخلصوه من بين يديه و يتساءلون ، ياتى ولى امر التلميذ في اليوم لتالي ليشكو المدير الذي لم يحرك ساكنا ، يقلق المدرس حين يقرا احد عناوين الصحف " مقتل تلميذ على يد مدرسه لانه لم يحل الواجب " ، يفكر .. كان من الممكن ان يكون هو المدرس ان لم يخلص احدهم التلميذ من يديه ، يقرر ولى امر التلميذ نقله من المدرسه بل من المحافظة او البلد كلها ان استطاع و يزداد قلقه اكثر و اكثر حينما يقرا رد وزير التعليم لاسرة التلميذ القتيل " انا و الوزارة اسفين .. و حنعوضكم "
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)