15‏/06‏/2014

التحرش اول قضايا الرئاسة


لا يخفى عن الكثير ما حدث يوم تنصيب الرئيس الجديد من حادثة تحرش ليست الاولى من نوعها و لكنها لاقت انتشارا اعلاميا مكثفا كاى حدث يقع في وقت لا يجد فيه الناس ما يثيرهم للتحدث عنه ، و بما انه لم يكن بالوقت المزدحم بالموضوعات المثيرة اهتم الاعلام كثيرا بتلك الواقعه و سلط الضوء عليها ، برغم من انها ليست الاولى و لن تكون الاخيرة و ليست الاكثر فظاعه و تطاولا  و انما هذا ما تم الاعلان عنه او تسليط الاضواء عليه ، في حين تجاهل الاعلام الكثير من الحوادث المشابهه في فترات سابقه او سلط ضوئه عليها بحسب تيار الاثارة الذي يتبعه لجذب مشاهدين بؤساء يسيرون وراء موجات الاعلام اينما ذهبت ، البعض يعلم ان حوادث التحرش التي انتهت باغتصاب ليست بالقليلة و لكن القليل هو ما تم الاعلان عنه ، و كانت تلك الاخيرة من نصيب الرئيس الجديد لتكون اول القضايا التي تتحرك الرئاسة من اجلها ، و كانت خطوة جيدة من الرئيس بزيارته الضحية ، و لكنها ليست كل شيء ، هي فقط للتعبير عن ان الامر لم يتم تجاهله او اعتباره كانه لم يحدث مثلما كان رد فعل الرئاسة في الكثير من القضايا المشابهه او قضايا اخري ولا يتم حتى الاشارة عنها و كانها حدثت في بلاد اخرى ليس لنا شان بها ، ظنا منهم ان ذلك قد يحل مشكلة او يسكنها او حتى يجعل الراي العام يسكت عنها و يتجاوز ، و لكن ذلك لم يحدث في كل مرة ، لابد ان تعلم الرئاسة جيدا ان الحل لا يكون بالتجاهل او بزيارة ضحية في المستشفى و ينتهى الامر ، لم يعد سيناريو " الرئيس لا يعلم اي شيء عن هذا و ان من حوله يضلونه و يخفون عنه الكثير مما يحدث في الشارع و ما يقوله الناس " ذلك صالحا الان ، هذا كان يصلح في الماضي ايام السلاطين في قصورهم الفخمة بعيدا عن ازقة البيوت العشوائية و ما يحدث داخلها و من داخل تلك القصور من هم يفتعلون الاخبار ليسروا عن السلطان وقت فراغه ، الان لم تعد حواجز و لا يحتاج الرئيس لمن يخبره بما يحدث و ما يعلمه الناس ، يستطيع ان يتابع كل ذلك و يتفاعل و يتحدث مع الشعب دون ان يغادر غرفته ، فرجاء كفى ترديد تلك الجملة العقيمة التى تدل على ضحالة قائلها ان الرئيس لا يعلم شيئا ولو علم لتبدل الامر .. فقد سئمنا منها حقا  ، لابد من حلول جيدة و فعالة مهما كانت المشكلة تبدو ضئيلة او عابرة بالنسبة لهم ، و لكن اي حل سيتخذونه بشان القضايا الحساسة بالنسبة للكثيرين .
        ابدى الكثير من المفكرين و المشاهير و الشخصيات البارزة بارائهم في حل تلك الظاهرة على حسب تعبير البعض ، فظهرت لنا اراء كاخصاء المتحرشين او اعدامهم و الاخر كان يري ان الحرية الجنسية هي الحل و الكثير من الاراء الاخرى التى لا تخفى عليكم ، و لكن الذي خفى على الكثير ان التحرش ليس مرض ظهر فجاءة في المجتمع بغير سابق او سبب واضح ، انما هو عرض لمرض او عدة امراض موجودة بالفعل في المجتمع و لم يتم علاجها ، مثلما يمرض احدنا بمرض ما و تكون من اعراض ذلك المرض صداع و قيء مثلا ، فهل يعالج الطبيب الصداع و القيء فقط ام يبحث عن المرض المسبب لتلك الاعراض لينهي الامر و حسب ، كذلك ما نحن بصدده من عدة مشاكل موجودة كالتحرش و غيرها التى هي اعراض لامراض نتغافل عنها او ندير وجهنا و نمضي لان الحديث عنها لا يرضينا و لا نصل فيه الى شيء ذو قيمة ان تحدثنا عنه اصلا بشكل حضاري و عقلاني .
        اذا نظرنا عن كثب للتحرش خاصة سنجد ان دوافعه اختلفت باختلاف انواع المتحرشين في الشارع و العمل بل و يمتد الي التحرش داخل العائلة .. ! نعم .. قد تستبعد ذلك الامر في البداية و لكن لابد ان تصدق وجوده فهو موجود بالفعل و لا تغتر بقلة الاخبار المتواترة عن ذلك ، فقد نشات الفتاة المصرية على كتمان هذه الامور خوفا من عدة امور قد تترتب على عدم كتمانها و لن تنال حقها في النهاية ، لانها مقهورة و يسعى الجميع لاخراس صوتها في المجتمع ، و لان اغلب الفتيات نشأن و تم اعدادهن من صغرهن على انهم مشروع زواج سيتم في يوم ما غير معلوم فكان لابد لها من المحافظة على نجاح هذا المشروع ليس من اجلها فقط و لكن من اجل عائلتها التي لا تري فيها غير سلعة زواج لابد ان يرتفع ثمنها كل يوم ، على الجانب الاخر تجد اختلاف ثقافة انواع المتحرشين تحيرك و تجعلك لا تستطيع تحديد دافع واحد محدد لما يفعلونه طوال الوقت اذا حانت لهم فرصة او شبه فرصة لذلك ، لكنك ان امعنت التفكير ستعلم انه لا يوجد سبب واحد يدفع كل هؤلاء ، انما هي عدة دوافع تختلف بحسب كل ثقافة و كل شخصية منهم ، ببساطة ان كان رايك ان الكبت الجنسي احد اهم دوافع التحرش فما مبرر الاطفال الذين يتحرشون و الرجال المتزوجون اكثر من واحدة ، بل ستجد ان اغلب المتحرشين يستطيعون ممارسة الجنس بطرق شتى غير التحرش لا تخفى عليك اغلبها ، و تستطيع القياس بالمثل على اغلب الاراء في دوافع التحرش ، ستجد ان بعضا ممن يتحرش بفتيات الشارع لا يقبل ان يتحرش بجارته او بنت من منطقة سكنه و على النقيض ستجد من يتحرش بفتاة من عائلتة باختلاف صلة القرابة ، و من يتحرش بزميلة عمله او مرؤسته التى قد يمتد ذلك الى استغلالها او التلاعب بها لاغراضه الشخصية الدنيئة ، الامثلة كثيرة ان تحدثنا عنها سيطول الحديث فهذا الامر تشعبت جذوره بشكل مخيف ، و الاكثر رعبا من ذلك ان الجميع يعلمه ولا يحرك فيه ساكنا انما يغض الطرف عنه و يمضي غير عابئا بما قد يناله بعد ذلك .
        اذا التحرش غير محدد بدافع محدد انما هو عرض لامراض اخري موجودة في المجتمع ، لم يعد التدين رادعا لاحد فقد فقد الكثير ايمانهم العميق و ان تظاهر الكثير بتدينهم العميق و لم تعد النخوة و المروءة رادعا فقد اصبح الناس تري التحرش بام اعينها و لا يسعهم الا الضحك و الاستمتاع بالمشاهدة و ان كان اكثرهم مروءة تحركا من يتحدث مع الضحية لتهدئتها و التخفيف عنها بدلا من البطش بالمتحرش نفسه ، اكثرهم يخرج لك بمبررات واهية للمتحرش اولها  ان ملابس الفتاة غير لائقة حتى تصل الى من يقول لك مكان الفتاة بيتها ولا يجب ان تخرج الا مع من يرعاها ، ستصدمك كم المبررات الواهية التى لا تدل الا على ضحالة فكر و تخلف مجتمعي و غياب وعي و ثقافة حضارية ، المجتمع قد نخر السوس في عقله و دقت كل اجراس الانذار التى تقول بان الهاوية قد باتت وشيكة حتى تمزقت تلك الاجراس و ملت التحذير و بات الناس تائهون في السبل للنجاة .. لمن ادرك منهم الخطر .
        اذا هناك امراض عدة متفاوتة اهلكت المجتمع و اقعدته عاجزا ، هناك هدفا غائب لا احد يسعى اليه فالكل فقد اهدافه السامية و اصبح هدفه كهدف اي حيوان شارد في البرية من اشباع رغباته اليومية الفانية ، هناك حلما ضائع لا يسعى احد لتحقيقه فقد اصبح لكل واحد حلمه الخاص الذي يعيش فيه ولا يتحرك لتحقيق ايا منه انما هو قد اعجبته تفاصيل ذلك الحلم المستحيل فليس لديه اي نيه في اتخاذ اي خطوة لتحقيقه ، هناك دين عاجز عن التواصل مع يوميات الانسان المعاصرة و كل محاولات رجاله بائسه لاستعادة من ترك حقل الدين و ذهب يبحث عما يحقق متطلباته و يكون اقرب لما يواجهه كل يوم من تحديات جديدة لم تكن موجودة من قبل و لا يجد حلا شافيا عند منابر الدين الا اقوالا خطابية مفوهه حفظتها الاذان من عقود مضت و لم يتغير فيها حرفا ، هناك فراغا قاتلا قد غرق فيه الناس حتى النخاع ، فراغ فكري و ثقافي و حضاري ، فراغ في كل شيء و ان كان اليوم مزدحما بالاعمال الروتينية اليوميه التى لا تفعل شيئا الا تحويل صاحبها الى آله مبرمجة لتكرار نفس الاعمال بروتينية اكثر غباء من الالات الميكانيكة ، و هناك ايضا طاحونة الحياة القاتله التى لا تنتظر احدا يلملم اوراقه و يعد نفسه لمواجهتها و لا تكترث لكل ما سبقها من امراض  نهشت في ضحاياها من قبل ان تلقاهم و لن تنتظر احدا و الجميع يهرول خوفا من ان تدركه تلك الطاحونة صاحبة الانصال الحادة المتشعبة .
        اذا وصلت لهذه النقطة و مازلت تسال عن الحل ، فانا حقا ااسف لانه لم يصلك اى شيئا مما قراته ، لم يعد هناك حلا منفردا لمشكلة يعاني منها المجتمع ، لم يعد هناك مجالا للتصدي لكل مشكلة على حدى ثم النظر الى ما يليها من مشاكل ، لابد من حلولا شاملة لاغلب امراض المجتمع المتفشية ، الظاهر منها و الباطن الذي يعلمه الجميع و يغضون الطرف عنه ، هذا المجتمع لن يتعافى بحل مشكلة واحدة و انما لابد ان تتضافر جهود ابنائه للتصدي لما يواجهه من كافة المنغصات و المعوقات التي تقف في طريق تعافيه و استعادة قوته و ازدهاره و ان طال الامد .. و الان بعد ان كان التحرش احدى اجراس الانذار للرئاسة الجديدة ، فهل ستستمع للصوت المحذر ام ستتبع نهج سابقيها و تخوض في امور هامشية لا تعالج ايا مما يعاني منه الوطن ، و ايها ستكون اول قضايا الرئاسة ؟ 

04‏/03‏/2014

Artificial Society

المجتمع الاصطناعي .. تلك هي الترجمة الحرفية لعنوان المقال ، لكنه ليس فقط عنوان انما هو واقع نعيشه و لا ندرك حقيقته المطلقة بعد ، لكنه يؤثر فينا دونما ان نشعر او اننا نرى و نشعر و لكننا لم نعد نتحقق جيدا مما نراه و لا نستوقف انفسنا عند احساسنا بعدم منطقية ما نراه او اننا اعتدنا على عدم المنطقية فتبلد احساس نقد العقل الباطن فبتنا لا ننكر عدم المنطقية و احيانا تصبح هي المنطقية ذاتها بالنسبة لنا و يصير ما هو منطقي في الاساس هو غير منطقي لنا ، في البداية اود طمأنتك ان كان قد اصابك شيئا من الريبة او القلق من السطور السابقة ، فليس كل شيء مصطنع و غير منطقي ، تستطيع العثور على ما هو منطقي و لكنه شبه حقيقي ، ستجده فيما هو مصطنع ..!  
اعلم انك قد تشتت بما يكفي خلال السطور السابقة ، لكن لا تحاول ان تفسره الان انتظر حتى النتهاء من القراءة ثم اعد قراءة تلك السطور ، هل شعرت من قبل بعدم ارتياح لاحدهم اثناء حديثه معك لاول مرة او ثاني او ثالت و لم تجد اي سبب لعدم ارتياحك سوى انه شعور داخلى ، هل شعرت بذلك ايضا عند دخولك احد الاماكن ، مكتب مدير ، عيادة ، قاعة استقبال في شركة ، مقهى راقي ، مكان عام او ما تزوره من اماكن خاصة ، اذن فلنعكس الامر الان ، هل شعرت بارتياح لشخص او مكان او منظر ما لا لشيء محدد سوى انك شعرت بذلك و كفى .. ان ارتياحنا لشخص ما او عدمه هو ناتج من الاشارات الخفيه التي يرسلها لنا الشخص دون ان نشعر فمثلا ان كان عاقد ذراعيه امام صدره يرتدي ثيابا و قد اختلطت الوانها في عدم تناسق و لا ينظر لعينيك كثيرا و حين ينظر فيها لا يطيل  و لكنه يتكلم معك بطريقة طبيعية جدا ولا شيء في حديثه يبعث الضيق فيك ابدا و لكنك تشعر بالضيق بالفعل من ذلك الشخص ، ذلك سببه ان اشاراته الخفيه كانت سلبية بالنسبة اليك ، فكونه عاقدا ذراعيه فقد ارسل لك اشارة سلبية دون ان يشعر بانه يرفض اي شيء قادم من تجاهك نحوه و قد وضع ذراعيه كحائل و انغلق به على نفسه و بالتبعيه فلن تستطيع استقبال الكثير منه لكونه منغلق خلف ذراعيه و دون ان تشعر استقبل عقلك الباطن تلك الرسالة و ترجمها لشعور ، عدم تناسق الوان ثيابه جعلك تتشتت ولا تعرف كيف تصنفهم جميعا في شعور واحد فلكل درجة لون انطباع شعوري داخل الانسان يتفاوت  بتفاوت درجات الالوان و عند جمع المتناسق منها يعطيك شعور مزيج ما بين تلك الدرجات تستقبله بسلاسة ، لكن عند جمع درجات لونية غير متناسقه فان الانطباع بداخلك يضطرب تماما في تحديد الشعور الطبيعي و يعطيك شعور نهائي بعدم الراحة ، عدم نظره المباشر لعينيك اغلب الوقت يفقدك الاتصال البصري به مما يكسر الكثير من الروابط النفسية لاستقبال مشاعر معينة ، كل تلك التفاصيل الصغيرة و غيرها تعطيك شعورا نهائيا اما بالراحة او عدمها فيكون احساسك النهائي ، كذلك الامر في الاماكن فكل تفصيلة في المكان ترسل لك اشارة خفية تترجمها بداخلك ، فكل مكان له روحه الخاصة بتفاصيلة الدقيقة ، تذكر احساسك يوم ان زرت احدى الاماكن الاثرية التي لم يطولها يد العبث البشري للانسان المعاصر ، انا متاكد تماما ان اجابتك ستكون ان احساسك كان الراحة الغير مفهومة بالنسبة لك ( ذلك ان لم يعكر عليك اي حدث عارض في تلك الاثناء ) راحة عجيبة تتسلل اليك تستشعرها طالما انت موجود في اي من تلك الاماكن ذات الرسائل الخفية الصريحة ، فكل تفاصيل المكان متناسقة تماما مع جاراتها و مترابطة معا لتكوين الشكل النهائي للمكان ، ان تكون متناسقة و متكاملة و مترابطة و ناتجة لرسالة واحدة محددة تعطيك شعورا خاصا يحمل روح المكان الخاص ايا كان كل حسب نوعه و رسالته يعطيك الشعور الخاص به عما سواه ، قد تكون رسالة المكان مختلفه الان عن رسالته التي صمم من اجلها لاختلاف الزمان و الثقافة لذلك تحتاج الى من يوضح لك اي رسالة كان يحملها هذا المكان في زمانه ، لكنها تبقي رسالة واحدة تصلك لتعطيك شعورا خاصا يتم تسجيله بداخلك مرتبطا بذلك المكان ، و ليس رسائل مختلفة تتشابك و تتنازع لتعطيك نتيجة سلبية في النهاية ، تذكر احساسك عند زيارة معبد فرعوني ، قلعة ، مسجد اثري ، مسرح روماني ، قصر ملكي ، كنيسه قديمة ، و غيرها من الاماكن .. ستجد ان لكل منها ارتباطا ذهنيا بداخلك ، عند قرائتك لاسم كل مكان يستحضر ذهنك صورة معينة و احساسك بشعور معين لكل مكان على حدة ، و هذا احد اسباب ان تجد كل متحف من المتاحف تربط معروضاته رابطا واحدا مميزا ليحمل لك رسائل مترابطة مكملة لبعضها البعض ، و يتكامل ذلك اذا كان المتحف نفسه مصمم تصميما خاصا يحمل روح هذا الرابط و يؤكده لك لتتهييء للرسائل المراد توصيلها ..
تخيل لو اخذت تفصيلة او اكثر من كل مكان من تلك الاماكن و جمعتها معا في مكان واحد ، فاي الرسائل ستستقبل و اي شعور سيتملكك ؟  دعنا نجرب معا .. سيكون المكان مسجد مثلا و قد اكتست واجهته بتفاصيل معبد فرعونى من اعمدة ضخمة و اشكال زهرة اللوتس العملاقة لكنك ستجد الجدران حفرت بايات قرآنية و ادعية و كانت النقوش المنتشرة في الارجاء من الذهب الخالص المطعم بعض الاحيان باحجار كريمة او ما شابهها كما هو في القصور الملكية .. تستطيع اضافة عناصر اخري ان شئت من اي مكان اخر ، لكن اخبرني بعد ذلك بشعورك اثناء تخيلك هذا المكان ، لن تستطيع ف البداية ان تقتنع باي التفاصيل تصدق و لا تستطيع فك شفرة هذا المكان الجديد بالنسبة لما قد تم تسجيله بداخلك من ارتباطات شعورية للتفاصيل المختلفة ، ستضطرب و تتشوش و تكون النتيجة النهائية هي عدم الراحة الغير مفهومة الاسباب … و قد كثرت من حولنا الاماكن المجتمع فيها تفاصيل متباينة و متضادة و متنافرة  و ان كان باوصاف مختلفة …
كل ما حولك يحمل لك رسالة خاصة ، كل تفصيلة دقيقة حتى و ان كنت لا تهتم بها او لم تلاحظها حتى و سقطت عليها عيناك او مرت عليها مرورا سريعا خاطفا ، يرى عقلك الباطن كل ذلك و يسجله و يفنده و يحاول فك شفرته حسب المعلومات المتوفرة لديه و المشاعر المرتبطة بها ليعطيك نتيجة تبني عليها رد فعلك اللاشعوري ، و ان كنت حتى لا تشعر بكل ما يحدث من ذلك الا انك تشعر دوما بالنتيجة و هو الاحساس الداخلى الخاص الذي لن تستطيع دائما رصد اسبابه العقلانية الواضحة ، ربما تسترجع الآن بعضا مما مر بك مشابها لذلك و تحاول استرجاع شعورك حينها ، ربما بات ما تم ذكره شارحا لما انتابك من شعور ما لم تستطع حينها فهمه او استيعابه ..
حينما يصبح اغلب ما حولك متشابك و غير متناسق و تختلط فيه التفاصيل الشاذه و الغريبة معا صارخه فيك بكل الرسائل المتباينة و عقلك الباطن يبقي حائرا يحاول الربط بين التفاصيل المختلفة لنسج الصورة النهائية عاملا باقصى طاقته الى حد الجنون ليترجم كل ذلك معا ، بالطبع سيترجم كل ذلك بان المكان الذي تتواجد فيه غير منطقي بالنسبة لمدخلاته المسجلة من قبل و ان وجودك في هذا المكان غير حقيقي بالمرة و ربما يكون كل ما حولك مصطنع ، بالطبع سيؤثر كل ذلك عليك بالسلب طوال الوقت ، احيانا تشعر بالضيق  و احيانا تشعر بعدم الراحة و احيانا تشعر بعصبية مفاجئة و تتباين مشاعرك السلبية من حين لاخر باختلاف الاماكن
لكن اذا كان اغلب ما حولنا و ما نعيش بداخله و نعمل و نتحرك بالنسبة لعقلنا الباطن مصطنع فاين ما هو حقيقي ، استطيع ان اقول لك انك قد تجد ما يفسره عقلك الباطن بانه حقيقي هو ما تم محاكاته ليكون حاملا نفس الرسائل المتناسقة التي يحملها عقلك الباطن ، و لكن ليس كل ما تم صناعته للمحاكاة يعطي الانطباع المريح ، ما يعطي ذلك هو ما تم محاكاته بعناية فائقة بعد دراسة عميقة للرسائل المراد توصيلها ، ان تشاهد فيلما اجنبيا ما يحكي عن قصة تدور احداثها اثناء الحرب العالمية الثانية مثلا و تمتليء المشاهد بكل التفاصيل التي تحمل لك رسائل تؤكد لك عنصر الزمان بانك تشاهد بالفعل كيف كانت الحياة في ذلك الوقت و تؤكد لك عنصر المكان لتعيش بداخل المشاهد كانك تعرفها من قبل و كل ذلك حتى تصدق القصة التي تنقل اليك اثناء تصديقك لعنصر الزمان و المكان اللذان حملا نفس الرسائل المتكاملة …
ربما تتسائل الان ، و ما الغرض من كل ذلك سواء ان عرفته ام لم اعرفه ، و ما الذي سيؤثر علينا بناء على كل ذلك من امور يصعب على البعض استيعابها ..
يؤثر كل ذلك علينا في نواحي جمة  ، منها ما ذكرناه من تاثيره على الشعور ، و منها ما سنذكره من انحدار منحنى ترجمة العقل الباطن الانساني الى منحى اخر تماما عما كان متجها اليه ، حينما تشاهد احدى الصور مثلا و يطلب منك ان تفسر ان كان ما في داخل الصورة منطقيا ام لا ، كان تكون الصورة لرجل تبدو عليه السعادة الجمة و الفرح العارم و قد اضطرمت النار من حوله ، او تكون الصورة لاطفال و قد تلطخت ملابسهم و ايديهم بالدماء و يقفون وسط برك من الدم حولهم و هم مبتسمون و في غاية المرح .. بالطبع ستبدو تلك الصورة غير منطقية بالمرة ، فلا يوجد احد يسعد بان تلتهم النيران ما حوله بل و يقف وسطها سعيدا ، ولا يوجد ما يربط بين الاطفال و الدم الا صور الموت و الالم فستبدو البسمة عليهم ايضا غريبة و غير مبررة ، لكنها من الممكن جدا ان تكون منطقية في بعض الاحيان ، ان يكون هذا الرجل مثلا امين مخزن قبل يوم الجرد السنوى للمخزن و قد اصبح سعيدا باضطرام النيران في المخزن لان ذلك سيخفى اثار السرقة التي كانت ستكتشف في اليوم التالي ، ان يكون هؤلاء الاطفال صباح اول ايام عيد الاضحى بعدما شاهدوا الخراف تذبح في الشوارع و في كل مكان و بللوا ايديهم بدمائها حذوة بما يفعله بعض الكبار فلطخوا بها ثيابهم اثناء اللعب و قد تجمعت برك الدماء الناتجة عن الذبح من حولهم ..
بناء على ذلك تجد ان الاشياء الغير منطقية تماما اصبحت منطقية جدا في ايامنا ، فيما بعد ستجد ان ما هو غير منطقي هو المنطقي و العكس ، لان ما تم تسجيله في العقل الباطن في البداية كانت اشياء غير منطقية ارتبطت معا بشعور ما فتم تسجيله على هذا المنوال ، ليترجم الاشياء المترابطة بعد ذلك على انها اشياء جديدة لم يعرف شعورا محددا لها من قبل ، ستجد امثلة ذلك واضحة جدا مع تغير الذوق العام لكل جيل جديد و صراعه مع جيله السابق و ما يليه على ان ما يعرفه هو المنطقي و هو الجيد و هو الرائع و ما سواه غريب و غير منطقي بالمرة ..

ان كنت قد استوعبت ما حوته السطور السابقة فقد وضعت يدك على مفتاحا هاما جدا و سرا عظيما ان استعطت استغلاله تفتحت لك آفاقا واسعة و قوة ستعرف معناها حين تمتلكها و تجنى ثمارها .